الاثنين، 16 يوليو، 2012

عمارة حي الجمرك: الكارثة المنتظرة

اسكندرية 2012
المكان:
أحشاء المدينة المتعَبة.. حارة «القبو الغربي» المتفرعة من حارة «البقطاريه»، من شارع النصر، حي الجمرك. الوصول لموقع الكارثة صعب. حارة ضيقة تؤدي إلى حارة أضيق. متاهة عمرانية خانقة. 
   
الزمان:
عصر السبت، 14 يوليو 2012.
   
الجريمة:
انها الجريمة التي كنا نتوقعها جميعا وننتظر حدوثها بين لحظة وأخرى، منذ انتشار وباء البناء بدون تراخيص في الإسكندرية بعد ثورة يناير. عمارة سكنية حديثة البناء من أحد عشر دور تميل بشدة بشكل مفاجئ، قبل أن تنهار بالكامل في لحظات مثل بيت من أوراق الكوتشينة، جاذبة معها أربعة بيوت أخرى في رحلة الانهيار، لتخطف أرواحا لم نعرف بعد أعدادها بالكامل.انها أولى الكوارث، وغالبا لن تكون الأخيرة. اذهب بنفسك هناك لتسمع الحكايات المؤلمة. هنا كان يعيش عجوز لا يعرف مكانه أحد. وهنا عائلة بالكامل ابتلعتها الكارثة. الدور الأرضي يشغله مخبز بلدي كان مكتظا بالعمال والزبائن وقت الانهيار، وهو ما يعني أيضا أن هناك عدد من أنابيب البوتاجاز لا تزال ترقد تحت الأنقاض كقنابل غير موقوتة.
عن المصري اليوم - تصوير حازم جودة
تحركات المسئولين بعد وقوع الكارثة المتوقعة من الممكن أن نعتبرها جريمة أخرى. لا إمكانات. لا معدات حديثة. لا خطة لإدارة الأزمة. الأهالي يبحثون عن ذويهم بأنفسهم. قوات الأمن والجيش في حالة ارتباك مثير للغثيان. بالضبط نفس ما رأيناه وقت كارثة «عمارة لوران» التي راح ضحيتها 36 انسانا في ديمبر 2007. لم يتغير أي شيء. لم نتعلم من أخطائنا الجسيمة أي دروس. 
محاولات انقاذ بدائية يائسة
من الجاني؟
في بادئ الأمر أعلن الحاج «أحمد أكبر» مالك العقار أنه سيبني فقط دورين أو ثلاثة على قطعة الأرض التي لا تزيد عن 40 مترا مربعا، لتصبح كل دور ورشة. هكذا يروي أهالي المنطقة الفصل الأول من المأساة. لكن كما نعرف جميعا لم يعد هناك رقيب أو حسيب بعد الثورة، فلماذا لا يخالف؟ وكلما أضاف الرجل دورا بلا ترخيص وجد غيره يضيف أدوارا فوق أدوار في الجوار، وفي كل أنحاء المدينة المتعَبة، فيقرر أن يفعل مثلهم.. "الله؟ .. إشمعنَى أنا يعني.. ما كله بيبني، وكله بيخالف.. جَت عليا أن يعني؟". هكذا برر الجُرم لنفسه بالطبع. 
لكن، من ترك الحاج أحمد يشيّد جريمته ذات الأحد عشر دورا؟ كيف ارتفع البناء بالتدريج، بلا أساسات، تحت سمع وبصر مسئولي الحي التعس؟
 نحن أمام احتمالين، كلاهما مأساوي:
السيناريو الأول: أن المبنى تم بناؤه بالتنسيق مع مهندسي الحي: نعرف أن امبراطورية الفساد الإداري في مصر تحتاج عقودا ليتم تفكيكها (إذا أردنا ذلك، على فكرة). بعض الناس في الشارع يتحدثون عن "الرشاوي اليومية" التي كان مهندسو الحي يتقاضونها أثناء تشييد المبنى. إن صحت هذه التهامات، كيف أيها "الباشمهندسون" و"الباشمهندسات" تصمتون وتتقاضون ثمن صمتكم وأمامكم بناء يرتفع بلا أساسات؟ ألم تدرسوا عواقب هذه الجريمة في كلياتكم؟ أين دفنتم ضمائركم؟ وأين رؤساؤكم ورؤساء رؤسائكم؟ هل قام رئيس حي الجمرك بزيارة حارة البقطارية منذ تولى منصبه؟
السيناريو الثاني: أن مهندسي الحي قاموا بواجبهم وحرروا بالفعل محاضر وافية بمخالفات المالك، وهو ما يستوجب بالتالي أن يتم إزالة العقار بمعرفة قوات الأمن بقوة القانون. طبقا لتصريحات د. اسامة الفولي، محافظ الإسكندرية المستقيل، فإن عدد ما تم حصره بالفعل من العقارات المخالفة بعد الثورة بلغ 8 آلاف عقار مخالف، بخلاف التعليات المخالفة على العقارات القديمة. كل هذه المخالفات لم يتم إزالتها لأن قوات الأمن في الإسكندرية (وفي سائر أرجاء المحروسة) توقفت تماما منذ اندلاع الثورة عن تنفيذ القانون فيما يتعلق بمخالفات البناء.
الاحتمالان قائمان، وربما كان الأمر خليطا من الاثنين. وهكذا لم يجد الحاج أحمد من يوقفه، فاستمر في تعلية المبنى في طمأنينة كاملة لم يقطعها سوى صوت الانهيار المروع مختلطا بصرخات الضحايا.
لكن يبقى أيضا أن أسألكم: لماذا صمت المجتمع؟ لماذا صمتم جميعا يا سكان الإسكندرية؟ هل نسيتم مأساة عمارة لوران؟ ألا يعرف الجميع أن هذه العمارات تبنى بدون إشراف هندسي وبواسطة مقاولين جهلة وبأساليب بناء خاطئة؟ لماذا صمتم يا ناس؟ أتعرفون؟ الصمت على الجرم تواطؤ.


   
شهادة:
بعد الثورة بأيام قليلة، بدأ وباء البناء غير المرخص في الإسكندرية. ارتفعت الأدوار المخالفة بطول الإسكندرية وعرضها بشكل يفوق الخيال. وقتها بذل عدد من المهتمين بأمر هذه المدينة المنكوبة كل ما في وسعهم لوقف هذه المهزلة. سأذكر هنا ما عاصرته بنفسي.
عندما تحول الأمر إلى ظاهرة واضحة، سارع عدد من المعماريين السكندريين (*) بإنشاء صفحة «معا للحفاظ على عمران الإسكندرية» على فيسبوك ليدعوا سكان الإسكندرية للحفاظ عليها برصد مخالفات البناء وهدم العقارات التاريخية. استجاب الكثيرون بالفعل وشارك معهم المئات بما يشبه البلاغات عن المباني وعن التعليات المخالفة وعناوينها وصورها. وقتها كان حماس ما بعد الثورة مشتعلا، كان الجميع يحلم بمصر أجمل وأرقى ويرون الحلم قريبا جدا جدا. صفحات أخرى على فيسبوك أيضا قامت بنفس المبادرة في نفس التوقيت، منها صفحة «رصد مخالفات البناء في الإسكندرية» وصفحة «رصد مخالفات البناء أثناء الثورة» و«مقاومة المواطنين الشرفاء لمخالفات البناء»، بخلاف جهود أخرى عديدة. قام هؤلاء المعماريون بتوقيع العقارات المخالفة على خرائط في شكل تقرير مفصل. قابلوا المسئولين. قدموا للـ «منطقة الشمالية» للقوات المسلحة ما جمعوه من بيانات وعناوين وخرائط وصور. 
وانتظروا أن يتحرك المسئولون والتنفيذيون...
ومازالوا منتظرين!
مثال من مشاركات صفحة «معا للحفاظ على عمران الإسكندرية»
المخالفات التي تمت إزاتها لا تذكر. وكان من أغرب ما سمعنا في هذا الوقت أن تجاهل هذه الظاهرة المخيفة مقصود ومتعمد. فالقائمين على شئون البلاد أرادوا أن ينشغل جزء كبير من الفئات الفقيرة والمهمّشة في المجتمع في عملية البناء غير المرخص كحل مؤقت لتفادي انفجار هذه الفئات. والنتيجة: عشرات الآلاف من المباني البائسة كل منها ينتظر نفس مصير عمارة حي الجمرك بين لحظة وأخرى. أصبح البناء المخالف هو القاعدة وليس الاستثناء المجرَّم. وأصبحت البلطجة هي سيدة الموقف. في الحالات القليلة التي أزيلت منها الأدوار المخالفة، أعاد الملاك بنائها مرة أخرى! وامتد البناء إلى أراضي الدولة والأوقاف بل وقام البعض بالبناء في عرض الشارع وفي حرم خطوط السكة الحديد. لم يعد هناك شارع في الإسكندرية يخلو من مخالفة بناء.
   
السؤال الآن عن الحل. ما العمل؟ كيف سننقذ ألاف العقارات المخالفة من مثل هذا المصير المخيف؟ كيف ستنجو الإسكندرية من هذه الكارثة المتوقعة؟ هل نستطيع أن نزيل الآن كل ما بُني بشكل مخالف؟ أم سنستيقظ غدا على انهيار جديد وضحايا جدد؟ ماذا لو وقعت هزة أرضية في الإسكندرية كتلك التي ضربت القاهرة والدلتا منذ أيام؟ كم بناء سينهار حينها وكم روح ستزهق؟ هل تستطيع أن تتخيل الأرقام معي؟ هل سنجلس هكذا مكتوفي الأيدي في انتظار الكارثة؟ 
يا الله!
يقول نجيب محفوظ على لسان «الشيخ عبد ربه التائه» في «أصداء السيرة الذاتية» عندما سُئل الشيخ: "كيف الخروج من المحنة التي نعانيها؟"، فأجاب: "إذا خرجنا سالمين فهي الرحمة.. وإذا خرجنا هالكين فهو العدل."

(*) المجوعة المذكورة تكونت من كل من د. دينا سامح طه، د. مي عباس يحيى، د. ياسر عارف، م. أحمد أبو الوفا، م. محمد مهينة، وكاتب هذه السطور. وقد قام أستاذنا د. عباس يحيى بجهود عديدة لتقديم هذه البيانات إلى المسئولين في هذا الوقت.