الأحد، 7 يوليو، 2013

هدم قلعة قايتباي: ملاحظات حول خطاب قديم

© Stéphane Compoint قلعة قايتباي على رأس الميناء الشرقي 

سؤال، هل تستطيع أن تتخيل الإسكندرية بدون «قلعة قايتباي»؟ كيف كان «الميناء الشرقي» سيبدو بدون هذا الحصن المملوكي الفريد؟ أي بناء كان سيحل محل القلعة عند أطراف جزيرة «فاروس»، في هذا الموقع التاريخي الهام الذي ظل فنار الإسكندرية قائما فيه لقرون عديدة قبل أن ينهار وتقام «قلعة قايباي» على أطلاله؟ ليس هذا السيناريو خيالا أو افتراضا، بل هو ما بدأ تنفيذه بالفعل في أحد أيام شهر فبراير من عام 1904، حين شرع بعض العمال في هدم القلعة  التاريخية (بإخلاصهم المعهود بالتأكيد) بعد تلقيهم الأوامر من قائد قوات خفر السواحل المسئولة عن القلعة. 
ebay.com قلعة قايتباي كما تظهر في رسم يعود لعام 1835 - عن كارت بوستال من موقع 
القلعة (أو الطابية) هي نموذج رائع للعمارة العسكرية المملوكية. بناها السلطان المملوكي «الأشرف أبو النصر قايتباي» في القرن الخامس عشر (نحو عام 1479م) بثغر الإسكندرية كإجراء ضمن خطته لمواجهة تهديدات الدولة العثمانية لمصر. أهم مكوناتها هو البرج الرئيسي المميز الذي يتكون من ثلاثة طوابق، والذي يحتوي بداخله مسجدا صغيرا وتعلوه مئذنة مملوكية رشيقة، بالإضافة إلى الأسوار والتحصينات الخارجية.
 البرج الرئيسي لقلعة قايتباي قبل 1904 "Pharos Antike, Islam und Occident: Ein beitrag zur architekturgeschichte" 
القلعة كانت قد تضررت بشدة جراء قصف الأسطول الإنجليزي لمدينة الإسكندرية في يونيو 1882. كانت القلعة أهم تحصينات الجيش المصري بقيادة «عرابي باشا» في المدينة، ولذلك كان لها نصيب الأسد من المقذوفات التي استهدفت مدافع عرابي، وأطاحت في طريقها بمعظم أجزاء المئذنة، كما ألحقت بالبرج وبالأسوار الخارجية أضرارا عديدة. ثم سقطت الإسكندرية في يد الإنجليز. بعدها بسنوات أجريت بعض الإصلاحات المحدودة للمبنى وظل على حاله حتى صدر قرار الهدم المذكور، وأوشك المبنى على الاختفاء تماما.
برج القلعة بعد محاولة هدمها
قرار هدم القلعة جاء من شخص تخصصه الدفاع والحرب وغير مؤهل لتحديد قيمة المباني التاريخية وكيفية التعامل معها، فمن أنقذها إذن؟ هذا هو السؤال المهم هنا. 
منذ ما يزيد عن مائة عام، كانت «لجنة حفظ الآثار العربية» Comité de Conservation des Monuments de l’Art Arabe هي اللجنة المسئولة عن تراث مصر المعماري منذ الفتح الإسلامي. وكان على رأس هذه اللجنة رجلٌ وقور وشديد النشاط يحمل اسما أوروبيا ولقبا مصريا رفيعا.. «ماكس هرتز باشا» (1856-1919) Max Herz Pasha . في 13 مارس 1907، أرسل هذا الباشا خطابا إلى أحد أصدقائه يحكي له فيه عن ملابسات إحباط محاولة هدم «قلعة قايتباي»، إحدى أهم معالم الأسكندرية، وكان هذا نص الخطاب (*): 
"عزيزي السيد «فان بِرشِم»، (...) بدايةً، دعني أجيب على بطاقتك البريدية؛ أرى أنك متحمس لتعرف شيئا عن التاريخ الحديث لـ «قلعة قايتباي». نعم، إن هذا الأثر المثير للاهتمام، والذي يقف في موقع تاريخي عتيق، قد فقد شكله الجميل الذي أمتع كل زائريه فيما مضى. وسقط ضحية الإهمال مثل أشياء كثيرة في هذا العالم. هذه المرة كانت رابطة ضباط الجمارك - يطلق عليهم هنا اسم "خفر السواحل"- هم المسئولون عن هذا التخريب. في 1904، تلقيت استفسارا من «بروفسير شفاينفورث» في الإسكندرية عما إذا كنت علمت بأن هدم قلعة قايتباي قد بدأ. أذهلني الخبر. وفكرت أن أي قلعة -بغض النظر عمن يملك زمام أمورها- هي أمر يخص وزارة الحربية. لذلك قمت بزيارة وزارة الحربية لاستيضاح الأمر. فأخبروني أن وحدة ضباط الجمارك كانوا قد تقدموا بطلب لإجراء بعض الأعمال بالقلعة. فطلبتُ أن تصدر الأوامر بشكل عاجل للعمال، بالتليغراف، بتعليق أعمالهم حتى تُقدم «لجنة حفظ الآثار العربية»  طلبا بتقرير مكتوب عن الأمر. وتم ذلك بالفعل. ثم سافرت إلى الإسكندرية ورأيت الدمار. لقد هُدم الرواق (الدائري) المهم المحيط بالنواة الداخلية للمبنى بشكل كامل. وحجتهم أن حالته كانت سيئة للغاية. ثم أدركت من المراسلات بين "القائمقام" بالإسكندرية ووزارة الحربية أن قرارا قد اتخذ بهدم القلعة بالكامل فيما عدا المسجد الصغير. وتم اقتراح أعمال كثيرة ظريفة بديلة، أعمال كان لها أن تكون موضع فخر للقائمقام لولا الخطر الذي أصبح الأثر فيه. تمكنت أن أقنع الضابط أنه لا خطر ولا حاجة للمزيد من الهدم. واتفقنا أيضا على عدم وضع أي ملاط أو تغطية، وعلى أن تسلّم أي أعمال إضافية إلى «لجنة حفظ الآثار العربية». وافق الضابط، ووزارة الحربية كذلك، وبذلك أصبح بإمكاني أن أجري أعمال الحماية للمسجد ولتلك الأماكن التي كان التدخل فيها ضروريا. واكتملت الأعمال منذ أيام."
وفيما بعد وعلى مدى سنوات قامت لجنة حفظ الآثار العربية بترميم قلعة السلطان قايتباي بشكل كامل ودقيق. اعتمدت اللجنة على رسومات قديمة للقلعة (من أبرزها رسومات كتاب وصف مصر) حتى تعود إلى هيئتها الأولى، وهو ما تم بالفعل، باستثناء المئذنة التي هدمت في قصف الأسطول الإنجليزي، لتصل إلى الحالة والشكل الذي نعرفها عليه اليوم
من محاضر اجتماعات لجنة حفظ الآثار العربية: إحدى لوحات توثيق وترميم قلعة قايتباي
تأمل معي هذه المفارقة المتعلقة بصاحب هذه الخطاب القديم: لما يقرب من ربع قرن، بين أواخر القرن التاسع عشر وبدايات العشرين كان المسئول الأول عن حصر وترميم وتجديد وصيانة ما نسميه اليوم بالآثار الإسلامية في مصر معماري يهودي الديانة مَجَري الأصل. وخلال هذه الفترة، أثبت هذا الرجل جدارة ومهارة غير مسبوقة، فرمم وأنقذ بالفعل عددا عظيما من هذه المساجد والمدارس والوكالات والبيوت والتحصينات في ربوع هذا البلد، ربما لو كان سواه في هذا المنصب لما بقيت إلى اليوم في أماكنها. مسجد الأقمر، باب زويلة، مسجد السلطان برقوق، السلطان حسن، الأزهر، وغيرهم الكثير  من آيات العمارة الإسلامية بالقاهرة أنقذها «هرتز باشا» من الإندثار. جاء هذا الرجل إلى مصر في 1880 والتحق بالمكتب الفني لوزارة الأوقاف في 1881، ثم أصبح مديرا لمتحف الفن الإسلامي في 1892، ثم المعماري الرئيسي بلجنة حفظ الآثار العربية  التي كانت تتولى مسئولية الحفاظ على تراث مصر الإسلامي، والتي ترأسها بنفسه منذ 1901 وحتى تم اجباره على الرحيل من مصر في 1914، ضمن اجراءات اتخذها المستعمر البريطاني مع اشتعال الحرب العالمية الأولى. وتقديرا لجهوده وتميزه، نال البكوية في 1895 ثم الباشوية في 1912.
«ماكس هرتز باشا» (1856-1919)

كما ترى، لم يتم تكليف «هرتز باشا» بإنقاذ القلعة، بل كان هو من بادر وتحرك ليوقف الهدم، ثم بدأ في الترميم بشكل علمي. فعل ذلك لأنه كان معماريا مستنيرا يدرك قيمة التاريخ وقيمة العمارة، في عصر لم يكن يعرف مصطلحات "المحسوبية" أو"الأقدمية" أو سياسات تقسيم الكعكة السياسيةببساطة، كان الرجل المناسب في المكان المناسب. هل تعرف عدد الطوابي الحربية والمواقع الأثرية التاريخية التي هدمت فيما بعد في الإسكندرية على يد القوات المسلحة وبالأخص في العقود الأربعة الأخيرة؟ 
من ناحية أخرى، نعم، أتى على مصر حين من الدهر كانت فيه دولة عصرية تتسع للأديان والثقافات والأعراق واللغات المختلفة. أتى عليها عصر اتسع فيه أفق المواطنة بشكل غير مسبوق. وقتئذ، كان المواطن المصري هو ذلك الذي يقوم بدوره في خدمة هذا الوطن وأهله ويعمل على تقدمه وازدهاره. ما أصله؟ ما دينه؟ لا يهم! لقد فقدت مصر الكثير عندما فقدت التنوع والتعددية في مواطنيها، والإسكندرية نفسها أوضح مثال على ذلك. ضاق مفهوم المواطنة والهوية بشكل كبير وأصبح الاختلاف مستهجنا.
اليوم، في وقت تفوح فيه رائحة الفتن الطائفية والمذهبية البغيضة بين الحين والآخر في ركن من أركان مصر، من الأحرى بنا أن نتذكر عصر «ماكس هرتز باشا»، ذلك العصر الذي عهدت فيه الدولة المصرية المستنيرة مسئولية الحفاظ على الآثار الإسلامية في ربوع هذا البلد العريق إلى معماري يهودي مَجَري، لأنه كان أفضل من يقوم بهذه المهمة. ولم يكن أمرا مستغربا. فلنتأمل هذه الحقيقة، لعلنا ندرك حجم التردي الذي وصلنا إليه.

(*) نص الخطاب من كتاب Max Herz Pasha (1856-1919): His Life and Career أو «ماكس هيرتز باشا (1856-1919): حياته وأعماله» ، ترجمة نص الخطاب: د. محمد عادل دسوقي.