الخميس، 25 سبتمبر، 2014

سنوات في المنار

إهداء إلى كل أصدقاء المنار الأعزاء.

برفق تضم قبضته كفي الصغيرة. لفترة لا أستطيع الآن أن أحددها، كان أبي يسير بي كل صباح، نعبر ميدان المنشية، ثم نسير في شارع «سعد زغلول». يحمل هو حقيبة المدرسة مرة، وأنا مرة. تصطف العمارات العريقة على جانبي الشارع المنحني، كلما تقدمنا للأمام يلوح بناءٌ جديد. ولأننا نسير في الصباح الباكر، لا تزال كل المحال مغلقة. ندلف إلى شارع «صفية زغلول»، فينقذني دفء قبضته من برودة نسائم الصباح. ثم نسير سويا في أزقة هادئة كنت أميزها من روائحها قبل أشكال مبانيها. دقائق قليلة ثم نقترب من المدرسة..

*
مدرستي. في الأصل كانت مدرستين على رقعة أرض واحدة أنشأتهما الجالية الاسكتلندية في الإسكندرية، إحداهما للبنات (مدرسة الفتيات الاسكتلنديات) والأخرى للبنين (مدرسة كنيسة سانت أندروز للبنين). يفصل بين المدرستين وملاعبهما سور.

رحلت الجالية الاسكتلندية ضمن من رحلوا بعد يوليو 1952، فأصبحت المدرستان مدرسة واحدة. وأصبح اسمها «المنار». وأصبحت «المنار» مدرستي.


مبنى المدرسة الرئيسي (1) هو مبنى «مدرسة البنات الاسكتلنديات» Scottish Girls' School، المبنى الوحيد الذي تبقى من المدرستين الأصليتين. ندلف إليه عبر بوابة المدرسة الرئيسية من شارع «أمين فكري» أحيانا، وأحيانا ندخل من البوابات الجديدة الأخرى. درست فيه في سنوات متفرقة في المرحلتين الابتدائية والإعدادية. عبر السنوات أضيف إلي المبنى الكثير، فتغيرت ملامحه، لكنه لا يزال بالنسبة لي الآن همزة الوصل بين الواقع وبين صورة المدرسة الخافتة في الذاكرة.


بداية عهدي بالمدرسة كانت في فصول الحضانة التي بنيت على أرض كان يشغلها ملعب كرة السلة بمدرسة البنات (2). هنا كانت تلك اللحظة الحاسمة التي يتركك فيها الأب والأم، لأول مرة، وحدك لتواجه العالم وتتعرف على الآخرين وتتعلم دون مساعدة منهما. هنا أول الأصدقاء، وأول الأعداء أيضا. هنا عربة بائع الدوم الجنوبي تقف أمام الباب في انتظار الزبائن الصغار. نشتري، ونأكل ثمرة الدوم القاسية بأسناننا اللبنية، ثم نلعب الكرة بقلب الثمرة الصَلب. في الخريطة علامة تجاورها كلمة "فسقية" عند مكان نافورة صغيرة من الرخام الأبيض لعبنا حولها (وفوقها) كثيرا. هي لاتزال هناك.

في المبنى القديم (3) كانت معظم سنوات "الابتدائي". في الأصل كان مبنى مدرسة البنين الاسكتلندية والتي كانت تحت إشراف الكنيسة الاسكتلندية «سانت أندروز» التي كانت تطل على ميدان المنشية. لم يعد هذا المبنى موجودا. حسنا، كيف أصف لك لوعة طفل ذهب إلى المدرسة فلم يجد المبنى الذي جمعه بأصحابه لسنوات؟ لقد هدموا المبنى في إجازة صيف بعد أن تهالكت درجات سلمه الخشبي تحت وطأة أقدام مئات التلاميذ يوميا. خافوا أن ينهار السلم بنا، فهدموا المبنى بأكمله! كان لأحد الفصول شرفة خشبية تطل على الفناء، ومع نهاية كل سنة كنت أحلم أن يكون هذا الفصل فصلي في العام القادم، ولم يحدث.

وليكون بديلا للمبنى المهدوم، بَنَت إدارة المدرسة مبنى آخر جديد في عجالة (4)، كنا أول من استخدم فصوله، ومنه أدركت الفارق الكبير بين أن تتعلم في مبنى مصمم بعناية، حتى ولو قديما متهالكا، وبين أن تتعلم في مبنى جديد لكنه سيء التصميم والتنفيذ لا يراعي عقلا أو روحا.

في ملعب كرة السلة (5) كانت حصة الألعاب الرسمية، ومباريات الكرة غير الرسمية. لماذا كانت أرضيته من الأسفلت؟ كم عدد البنطلونات التي تمزقت ركبتها على أرض هذا الملعب العجيب؟ اختفى هذا الملعب بعد أن تركْت المدرسة وتحولت مساحته إلى مبنى آخر أشد قبحا.

في الفناء الكبير (6) كانت طقوس الصباح اليومية: الطابور، الإذاعة المدرسة، وتحية العلم. هنا كانت وجوه الزميلات والزملاء المحببة في كل صباح لا تزال تنفض آخر آثار النوم، والزي المدرسي يجمع كبيرهم وصغيرهم. هنا كانت الفُسحة، وكانت الاحتفالات والمطاردات والاستغمايات والمشاجرات ومباريات كرة القدم. هنا "الكانتين" الذي يبتلع قروشنا القليلة رغم ما يقدمه من أصناف محدودة. هنا كانت الشجرة القديمة (7)، ومباريات تسلق أغصانها التي لا تتوقفهنا مرت السنوات سريعا، بحلوها ومرّها، لكنها في النهاية تركت ندى مشاعر الطفولة وخربشات مشاعر المراهقة في القلب.

*
مرت السنوات، وأصبحت أنا من أضم كف أختي الصغير بكفي يوميا في رحلتنا من وإلى المدرسة، وسنوات أخرى، واستقَل كل منا بعدها بنفسه وحقيبته.

في رحلة العودة، نسير سويا إلى «محطة الرمل» لنستقل منها الترام عصر كل يوم. تتسارع خطانا رغما عنا مع انحدار الشارع، فنضحك، وتتأرجح شرائط ضفائرها. نمر بجوار سينما «راديو» ثم سينما «فريال»، ومن بعيد أرى أفيشات سينما «ستراند» أيضا. ننتظر الترام الصفراء. سنستقلها محطة واحدة أو محطتين، وفقا لرقم الخط. على مرمى البصر يلوح تمثال «سعد زغلول» راسخا فوق قاعدته الشاهقة شاخصا نحو البحر.

انتظارنا اليومي تحت مظلات المحطة كان فرصة لابد من استثمارها. فرصة للثرثرة والضحك أنا وأختي، أو نحن مع الأصدقاء المنتظرين أيضا للترام الصفراء أو الزرقاء. أو فرصة لبعض حبات الفشار من البائع تحت المظلة الرئيسية. والأهم بالنسبة لي، كانت فرصة الاطلاع على أغلفة المجلات والكتب الجديدة، وتصفح صفحاتها إذا سمح البائع العجوز بذلك. غالبا ما كان الرجل يتركني أتصفح كما أشاء، فهو عليم بطبع زبونه الصغير، سيشتري حتما لو كانت لديه قروش قليلة متبقية بعد يومه الطويل في المدرسة.

الأربعاء، 18 يونيو، 2014

عن فن المجال العام وفن المصالح الخاصة

إذن نحن في عهد جديد. وبعد التغيير الوزاري الذي أُجري منذ أيام، يقترب موعد حركة السادة المحافظين. أصحاب المعالي يترقبون ويتحركون. ولا بأس من تحركات أخيرة سريعة تخطف الأنظار.

"مشروع تطوير" جديد في الإسكندرية انتهى في أيام معدودات. مجموعة من المنحوتات والنوافير أقيمت على ثلاثة جزر متفرقة في نهر الشارع في قلب «محطة الرمل»، على مرمى البصر من تمثال سعد زغلول الشهير. اقترِب، وستخبرك اللوحة التذكارية بكل شيء: 
عدسة: عمرو علي
لماذا، حقا، تقام مثل هذه المشروعات؟ بداية، إن هذه النوعية من المشروعات يعود الفضل في استحداثها إلى المحافظ السابق/ اللواء (أيضا) عبد السلام المحجوب، وهي تتضمن أن تقيم المحافظة مشروعات شكلية في مناطق بارزة من المدينة لا تمثل حلولا لمشكلات الناس المزمنة بأي حال من الأحوال، مثل إقامة بعض المنحوتات أو النوافير أو إعادة طلاء بعض الأبنية أو مظلات محطات الترام بدون أن تدفع المحافظة نفسها مليما، بينما تتحمل تكاليف التنفيذ إحدى الشركات الخاصة بالمدينة، وبالأخص شركات المقاولات. حسنا، هل ستفعل هذه الشركات ذلك من منطلق الوطنية مثلا أوتقديم الخدمات للمجتمع وبلا مقابل؟ طبعا لا. بعض الشركات اكتفت بفرصة شِبه مجانية للدعاية، بأن تضع اسمها التجاري بشكل فج وبمواد بناء دائمة على الجداريات والنوافير والتماثيل. إنها دعاية أبدية لا تُزال وبمقابل مادي لا يذكر إن قورن بأسعار لافتات الدعاية المتغيرة. ثم أتى المقابل الأكبر أيضا في عهد اللواء المحجوب بموافقته الغريبة على إضافة أدوار استثنائية لما تقوم هذه الشركات الخاصة ببنائه من عمارات سكنية. وعندئذ بدأ السباق المحموم بين هذه الشركات. انهمك الجميع في أعمال كان بعضها في البداية يبدو معقولا، قبل أن يتحول الأمر إلى "سبوبة" هستيرية رخيصة.. أي شيء ملون في أي زاوية من زوايا المدينة، أو أي مظلة لمحطة ترام. أي شيء، وبأقصى سرعة.

وابتكر شركاء هذه "السبوبة" مصطلحا جديدا لن تجده في أدبيات أو قواميس العمارة أو التصميم العمراني في أي مكان في العالم، وهو مصطلح "تجميل المدينة"، بل وأُنشئ في عهد المحجوب جهاز خاص لأعمال "التجميل". المتخصصون في الشرق والغرب دائما يتحدثون ويبحثون في مجالات "الارتقاء العمراني" أو "إعادة الاستخدام" أو "التنمية المستدامة" أو"رفع كفاءة الخدمات والبِنَى التحتية" وغيرها الكثير، بينما نحن نرفع شعار "التجميل". المصطلح نفسه يحمل ما يكفي من دلالات، فأنت لا تعالج أمراضا استشرت في جسد المدينة، بل تنفق فقط على إضافة بعض المساحيق التجميلية الرخيصة لتختبئ وراءها الأعراض، ويبدو كل شئ على ما يرام، حتى تمر فترة المحافظ على خير.

أنفقت بالفعل أموال ضخمة على هذا النوع من المشروعات في فترة قصيرة جدا. ولما لا والمعادلة بسيطة: ضع أي عمل "تجميلي" في أحد شوارع المدينة، استعن في ذلك بالأرخص دائما، سواء من البشر أو الحجر، بحيث لا تتجاوز تكلفته عشرات الآلاف من الجنيهات، واحصل في المقابل على استثناء ببناء أدوار مخالفة للقانون تجني من ورائها الملايين. ولذلك لابد من التأكيد على أن الفضل الأول في فكرة بناء أدوار إضافية بالمخالفة الصريحة للقانون يرجع بلا شك إلى عهد السيد اللواء المحافظ عبد السلام المحجوب الذي خرق القانون بنفسه وبمنتهي البساطة وسط تصفيق الجميع "لإنجازاته"، وفتح بذلك أبواب الجحيم العمراني الذي يوشك الآن أن يقضي تماما على جودة الحياة في المدينة.

جاء المشروع المسمى بـ«مشروع تطوير ميادين محطة الرمل» كنموذج مثالي على هذه النوعية من المشاريع الشكلية. تصميم سيء لا ينتمي لأفكار فنون المجال العام (أو الفن العام public art) بمفاهيمه المعاصرة بأي صلة. ففن المجال العام فن هدفه الناس، يداعب خيالهم وذاكرتهم ويخاطب قيمهم بكل الأشكال والوسائط الممكنة، يهتم من يقيمونه بالمتلقي أولا، كيف يقرأ العمل الفني وكيف يتفاعل معه بشكل إيجابي. أما العمل الذي نتحدث عنه هنا فليس موجه للناس بأي حال من الأحوال. أي متلقي وأي فن؟ إنه عمل دعائي مُتنكِر، يحقق من خلاله أصحاب الشأن مصالح شخصية ضيقة، لا حساب فيها لرجل الشارع واحتياجاته وتطلعاته أو لجودة العمل الفني. 

لم يأت «مشروع تطوير ميادين محطة الرمل» بأي جديد، بل تكرار ممجوج لفكرة الاحتفاء ببعض الشخصيات السكندرية التاريخة. وضعت لهذه الشخصيات تماثيل وجهية ونصفية ذات لون ذهبي فج بلا طراز أو مدرسة نحتية تجمعها، وبلا أي منطق أو ترتيب مفهوم، بين عدد من الأعمدة الكلاسيكية القزمية في تصميم مثير للشفقة لا يحمل أي خيال أو ابتكار. التماثيل صنعت في عجالة وبدا بعضها كتمارين أسبوعية لطلبة السنوات الأولى بقسم النحت بكلية الفنون الجميلة، وبشكل لا يليق لا بمقام الشخصيات التاريخية المُحتفَى بها ولا بقيمة منطقة محطة الرمل التي تحمل بين جنباتها طبقات عدة من تاريخ الإسكندرية. هل تصادف أن رأى من أقاموا هذه المنحوتات أعمالا خالدة أخرى بالإسكندرية قام بنحتها عمالقة مثل الفرنسي چاكومار (تمثال محمد علي باشا، 1873) أو الإيطالي بييترو كانونيكا (تمثال اسماعيل باشا، 1936) أو المصريان محمود مختار (تمثال سعد زغلول، 1932) وفتحي محمود (تمثال أسطورة أوروبا، 1968)؟ وبعيدا عن الأفكار المستهلكة والخيال الفقير، جاء تنفيذ المشروع أيضا بنفس درجة الركاكة سواء من حيث اختيار مواد البناء والتشطيب أو حتى نوعية النجيل الأخضر المستخدم.
عدسة: عمرو علي
الآن دعنا نتساءل عن المقابل: لماذ تقوم شركة «ستانلي» بإقامة هذا "المشروع"؟ هل تذكرون أولا من هي شركة «ستانلي»؟ انها الشركة التي هدمت «سينما ريالتو» بدون ترخيص في أبريل 2013، تحت دعوى "إعادة التطوير". هل تمت محاسبتهم وفق القانون؟ لا. هل تم وضعهم على قوائم سوداء باعتبارهم أحد من أساؤوا للمدينة؟ طبعا لا. في المقابل، هل رأيت الكيفية التي وضع عليها اسم الشركة محفورا في الرخام، باللونين الأسود والأحمر في أجزاء "المشروع" المختلفة؟ كم شخص سيمر ويقرأ اسم الشركة بارزا زاعقا بهذا الشكل كل يوم؟ كم ثمن هذه الدعاية بمعايير سوق الإعلان اليوم؟ والأهم، من سمح للقائمين على أمر المدينة بأن يهبوا جزءا أصيلا منها، هو في الحقيقة مكانا ومجالا عاما يملكه سكانها جميعا، لشركة مقاولات لها تاريخ من المخالفات، لتضع عليه رايتها بهذا الشكل الفج؟
  
عدسة: عمرو علي
ونريد أخيرا أن نعرف أيضا، هل ستنال الشركة أي استثناءات أخرى من قانون البناء المسكين في مقابل هذا العمل الرديء؟ ولماذا لا يعلن السيد محافظ الإسكندرية عن تفاصيل الاتفاق/الصفقة التي تم عقدها مع الشركة بشفافية حتى نعرف جميعا الثمن الحقيقي لهذه النوعية من المشروعات؟ هذا حق كل مواطن يعيش على أرض هذا الوطن. لا يصح أبدا أن نعرف الإجابة على هذا السؤال بعد أن يصبح المقابل غير المعلن أمرا واقعا: بناء آخر ومخالفة أخرى هي جرح جديد في جسد هذه المدينة المتعَبة.


كل الشكر لـعمرو علي لسماحه باستخدام لقطاته.

الجمعة، 2 مايو، 2014

فوبيا الفوتوغرافيا

إهداء إلى د. نادر غريب، رفيق البحث وشريك الاكتشافات
(1)
بالصدفة كنت أحمل الكاميرا، وبالصدفة مررت بجوار هذا البيت المتهالك عند تقاطع شارعين ضيقين بحي «كامب شيزار». استوقفني للحظة. مثل هذه المباني صار هو الغريب وسط ما يحيط به من أبراج سكنية حديثة شاهقة زاعقة قبيحة. لا شك أنه الآن أقدم مبنى في هذين الشارعين. بدا كعجوز ساكن وحيد وسط عصبة من قُطّاع الطرق. هل هو مهجور؟ إلى متى سيصمد أمام الإهمال أو أمام البلدوزر؟ أخرجت الكاميرا والتقطت عدة صور من أكثر من زاوية بشكل سريع، واستدرت مكملا طريقي.
خطوتان فقط، أوقفني بعدهما فتىً لا يتجاوز السابعة عشر من عمره. اعترضني بيده بشكل مباشر وبلا مقدمات وهو يسأل بعدوانية عن سبب التصوير. أجبته بابتسامة باردة أنني مهتم بالمباني القديمة وانها  جزء من عملي، وإثباتا لحسن النوايا أخرجت له كارت شخصي يحتوي على اسمي وعملي ورقم هاتفي، وهممت باستئناف طريقي. فما كان منه إلا أن أطاح بالكارت في الهواء باستهانة قبل أن يمد يده ليوقفني بشكل أعنف لم يكن من الممكن تجاهله، فدفعته غاضبا. تطور الموقف في لحظات. حاول أن يتعدى عليّ فعاودت دفعه قبل أن يحاول بعض المارة وأولاد الحلال أن يفصلوا بيننا. وفي اللحظة التي ظننت فيها أن الأمر قد انتهى عند هذا الحد فوجئت برجل خمسيني (أدركت بعدها أنه والد الفتى) يخرج هائجا من البيت القديم نفسه بملابس البيت مندفعا نحوي وسط عاصفة من السباب مستهدفا الكاميرا نفسها هذه المرة، مما اضطرني أن أصده بقوة مدافعا عن الكاميرا، فتراجع مترنحا. فعاد الفتى ليحاول الاعتداء عليّ مرة أخرى فيما واصل الآخرون التفريق بيننا. ثم كانت ذروة الأحداث وأكثرها سيريالية حينما خرجت سيدة مُسنة (نعم، أم الفتى) من شرفة الدور الأرضي للمبنى نفسه لتقذفني بكل ما أوتيت من قوة بثلاثة قوالب متتالية من الطوب الأحمر (!) مر أحدها على بعد سنتيمترات من رأسي قبل أن يرتطم بسيارة حديثة كانت تقف بجوار الرصيف المقابل.
نجح المارة والجيران في النهاية في إبعادي عن المكان واقناع الفتى وأبيه وأمه بأن "كده غلط، ميصحش" واعتذر لي عدد منهم، وإن بدا على وجوههم شيء من اللوم، "يعني، ما انت كنت بتصور برضه". تركتهم سريعا وأكملت طريقي حانقا نحو سيارتي التي كنت قد أوقفتها بمعجزة في نهاية الشارع الضيق.
 (2)
لعل هذا الموقف هو أكثر المواقف التي تعرضت لها تطرفا أثناء تصوير أحد أبنية أو شوارع بالإسكندرية، لكنه بالتأكيد ليس حادثا استثنائيا. في جعبتي الكثير من القصص. منذ عدة سنوات شاركت في حصر المباني بقائمة التراث العمراني بمدينة الإسكندرية، وكان التصوير الفوتوغرافي جزءا أساسيا من خطوات هذا الحصر، وواجهت أنا وزملائي بسببه العديد من المواقف والمضايقات. لن أنسى حارس أحد العقارات بحي الشاطبي والذي أبرزت له كل الأوراق الرسمية التي أحملها لأستأذنه في تصوير العقار وأخبرته أنه تكليف من المحافظة، فما كان منه إلا انطلق في وصلة من أحط ألفاظ السباب للمحافظ والمحافظة وكل من يعمل لحسابها قبل أن يطردني أنا وزميلي من العقار شر طردة! ولن أستطيع أن أحصي عدد النسوة اللاتي كن ما أن يرين الكاميرا مصوبة نحو بيوتهن القديمة حتى يتعالى صراخهن وعويلهن المتبوع دائما بتجمعات آنية لأعداد غفيرة من الجيران والمارة، وكأن تصوير الأبنية التي نراها ونعيش بينها كل يوم ينتهك حرمات لا يصح الاطلاع عليها.
اسأل أي مصور مهتم بالعمارة والمدن أو أي معماري مهتم بالتصوير وسيخبرك بمواقف مشابهة تعرض لها هو أو بعض زملاؤه أثناء عمله أو أثناء دراسته الجامعية عندما تطلب الأمر القيام بالتصوير في شارع ما سواء في أحياء المدينة الراقية أو الفقيرة. كثيرا ما حُطمت كاميرات وانهالت شتائم، بل واقتيد البعض إلى أقسام الشرطة، بل ومقرات أمن الدولة، في مواقف متشابهة. 
السؤال هنا، لماذا يخاف الناس من الكاميرا بهذا الشكل؟ من المتعارف عليه أن شوارع أي مدينة، وخاصة المدن التاريخية كالإسكندرية، هي فراغات عامة مفتوحة للجميع، لأبناء المدينة ولزائريها على حد سواء، يحق لهم التقاط الصور لها وتسجيل انطباعاتهم وما أثار إعجابهم منها، طالما لم يتعارض ذلك مع خصوصية الآخرين. واليوم يلتقط الهواة من سكان المدن أو السائحين بكاميراتهم وهواتفهم  ملايين الصور لشوارع المدن وميادينها، ويتبادلونها في لحظات عبر مواقع الإنترنت وتطبيقات الهواتف المختلفة. وما يعرف اليوم باسم «فوتوغرافيا الشارع» أو Street Photography  هو مجال قائم بذاته وفن متعارف عليه وله قواعده وأخلاقياته. وهناك من يمضي السنوات متجولا بين المدن والعواصم بعدساته في محاولات لتسجيل هذه الأمكنة بأبنيتها وناسها وما يدور بها من تفاصيل يومية.
المثير أنك إن قمت بمراجعة التراث الفوتوغرافي لمدينة الإسكندرية ستجد مئات الصور التي توثق عمارة المدينة وتسجل تفاصيل حياة سكانها منذ اختراع تقنية التصوير الفوتوغرافي نفسها وحتى منتصف القرن العشرين تقريبا. إن أول صورة فوتوغرافية التقطت في إفريقيا كانت في الإسكندرية. لقطة كانت لبوابة القصر المنيف الذي بناه الوالي محمد علي باشا ليكون سكنه الرئيسي بالإسكندرية، قصر رأس التين، وكانت بتقنية قديمة وشديدة التعقيد تسمى «داجِرُوتايب» Daguerreotype. ومنذ ذلك الحين نستطيع أن نتابع التطور العمراني للإسكندرية من خلال الصور المختلقة ونرى أيضا سكانها بشرائحهم الاجتماعية وأعراقهم المختلفة في لقطات كثيرة مبهرة زادت غزارتها مع تطور تقنيات التصوير الفوتوغرافي وانتشارها. لقد عرفت الإسكندرية استوديوهات التصوير الفوتوغرافي في وقت مبكر للغاية، وكان بعض المصورين الرواد يجوبون شوارعها بعربات كانت بمثابة استوديوهات أو معامل متنقلة.
قصر محمد علي باشا برأس التين: لقطة تعود إلى نوفمبر 1839، يُعتقد أنها أول صورة التقطت في افريقيا.
(Librairie Serge Plantureux)
ولا شك أن مباني الإسكندرية وميادينها كانت مثار فخر لسكانها وإعجاب زائريها. والدليل على ذلك هو كروت البوستال (البطاقات البريدية) العديدة التي تعود إلى هذه الفترة، والتي لم تكتفي بمعالم المدينة وأبنيتها الرئيسية مثل «البورصة الملكية» و«المتحف اليوناني الروماني» والمساجد والكنائس الهامة، بل حمل بعضها صورا لأبنية أقل شهرة مثل بعض المدارس والمستشفيات، ولا تتعجب ان وجدت نسخا مختلفة لكارت بوستال يحمل صورة أحد أقسام الشرطة، مثل «كراكول العطارين» مثلا، أوقسم شرطة « باب شرقي».
كارت بوستال: كراكول (كراكون) العطارين.
بعض هذه الكروت منتشر وأعيد طبعه أكثر من مرة وبعضها نادر. وإلى اليوم لا يزال بعض جامعي الصور والوثائق القديمة يقتفي أثر هذه الكروت في مزادات ومحال الأنتيكات داخل مصر وخارجها أو عبر المتاجر الاليكترونية، ومنهم من يقتني آلافا من هذه الكروت مصنفة بشكل دقيق للغاية طبقا لتاريخها أو طبقا لدار النشر التي قامت بطباعتها. تشكل هذه الكروت البريدية ذاكرة بصرية فريدة للمدينة وثروة فوتوغرافية مهولة تراكمت عبر العقود منذ ستينيات وسبعينيات القرن التاسع عشر وحتى خمسينيات القرن العشرين..
ثم توقفت الصور، فجأة!
فجاة، توقفت كروت البوستال الجديدة عن الصدور، وخاصمت العدسات مباني المدينة العريقة وشوارعها. تأمل مثلا ميدانا متسعا وشهيرا مثل ميدان «المنشية» (ميداني «محمد علي» و«الحدائق الفرنسية» سابقا). ستجد لهذا الميدان مئات ومئات من الصور وكروت البوستال من أزمنة مختلفة ومن أماكن وزوايا متعددة. صور للميدان نفسه وصور للحياة اليومية به ترى فيها سكان المدينة المتنوعين ووسائل مواصلاتهم وترى فيها كل الأبنية المبهرة المحيطة به. وبحلول الخمسينيات، لن تجد تقريبا إلا الصور التي توثق للخطب الهامة التي ألقاها الرئيس عبد الناصر من شرفة مبنى البورصة. وهي صور معدودة لم تهتم فيها الكاميرا إلا بتصوير «الزعيم» نفسه ولافتات تأييده وجموع جماهيره الغفيرة. وبعد بضعة سنوات توقفت الصور تماما. وبسبب هذا التوقف، قد تُعد صورة لميدان «المنشية» التقطت في سبعينيات القرن العشرين مثلا أشد ندرة بكثير من صورة لنفس الميدان بنفس الزاوية قبل مائة عام، رغم التطور الشاسع في تقنيات التصوير الفوتوغرافي بين التاريخين.
ميدان المنشية 1980: هذه الأرض الفضاء سيبنى عليها بعد سنوات قليلة مبنى «قصر القطن»، ذلك الصندوق الزجاجي العملاق شبه المهجور بجوار «نُصب الجندي المجهول» (من الموقع الشخصي للسيد مانفريد لِنتز)
ماذا حدث؟ هل اختفى المصورون؟ هل رحلوا عن مصر ضمن من رحلوا من الجاليات ذات الأصول الأجنبية التي رحلت عن الإسكندرية (اختيارا حينا أو قسرا أحيانا) بعد سياسات «ثورة يوليو» القومية؟ هل أصبحت تكاليف التصوير والتحميض والطباعة باهظة للغاية بعد أن تغيرت السياسات الاقتصادية في مصر في هذه الفترة؟ أم أن الحاجة إلى تصوير معالم المدينة وإلى الكروت البريدية قد انعدمت من الأصل منذ أن توقفت الحركة من وإلى الإسكندرية التي تقوقعت على نفسها بعد الثورة واكتفت بسكانها الأصليين والوافدين عليها من الريف المصري؟ أم أن هؤلاء السكان آثروا السلامة وتوقفوا عن تصوير مدينتهم بعد أن أرهبتهم لافتات "ممنوع الاقتراب" و"ممنوع التصوير" التي وضعتها حكومات ما بعد «النكسة» ليس على المناطق العسكرية فحسب، بل وعلى كل المعالم و"المنشآت الحيوية" بالمدينة؟
أم كل ما سبق؟
في كل الأحوال، ما حدث فعليا أن العدسة اختفت من شوارع المدينة. وبعد فترة أصبحت رؤية الكاميرا في الشارع أمرا مستغربا. وبعد فترة أخرى أصبحت أمرا مستهجنا. وتنامى لدى سكان المدينة مشاعر مركبة اختلط فيها الخوف بالكراهية. قد تختلف دوافع بعض من يخشى الكاميرا في الشوارع، ولكن الخوف العدائي واحد. وأصبح جزءا من احتراف التصوير في أحراش المدينة أن تتفادى بعض الأشخاص بعينهم وتتلافى الاحتكاك بهم، أو على الأقل أن تستعد لمواجهتهم.
(3)
المواطن «س» مواطن صالح غيور على وطنه. يراه مطمعا للكثيرين وهدفا لمؤامراتهم. قد يتفهم المواطن «س» فكرة أن يقوم أحد السياح الأجانب (أو ربما مواطن مصري آخر ولكن "مثقف" بعض الشيء) بتصوير أحد المزارات التاريخية المعروفة باعتباره نشاطا سياحيا لا بأس به. وربما يبتلع المواطن «س» فكرة أن يقوم هذا السائح (السائح فقط، المواطن لأ) بتصوير أحد الأسواق الشعبية مثلا والتي يتفنن فيها الباعة في جذب الزبائن بكل الطرق البصرية والسمعية الممكنة. سياحة أيضا وأمرنا لله! أما أن يقوم هذا أو ذاك بتصويب عدسته نحو مبانٍ أخرى أو أي أشياء "غير سياحية" فهذا أمر مريب لا يمكن السكوت عليه. لقد علمته الأيام (ووسائل الإعلام) أن "سُمعة البلد" فوق كل شيء. وفي الحقيقة، المدينة بمشاكلها وأزماتها أصبحت عورة لا يصح أن يطلع عليها أحد. والناس فيها ما يكفيها، خصوصا هذه الأيام بعد الثورة، ونحن، كما يعلم الجميع، في معركة فاصلة من معارك "الجيل الرابع من الحروب". الأمر اذن لم يعد يتحمل المزيد: ممنوع التصوير يا كابتن.
(4)
المواطن «ص» شخص هادئ الطباع يحرص دائما على تجنب المشاكل. يكره السياسة ولا يكترث إلا بما يتعلق بمستقبل الأولاد. يسكن «ص» والأسرة الكريمة في عمارة سكنية صغيرة بنيت في أوائل الثلاثينيات. شقته التي استأجرها والده في أواخر الخمسينيات تتكون من خمسة غرف واسعة يفتخر دائما بسقفها المرتفع ومناورها المتعددة. الشقة، التي ورثها بعد وفاة الوالد رحمة الله عليه والتي سيرثها ابنه أيضا بعد عمر طويل، إيجارها الشهري يبلغ سبعة جنيهات وسبعة وأربعين قرشا لا غير. مكتسبات ثورة يوليو. يعلم «ص» أن شقة مساحتها أصغر من نصف مساحة شقته في العمارة الجديدة المواجهة لعمارته بنفس الشارع الضيق لا يقل إيجارها الشهري (إيجار جديد) عن ألفين وربما أكثر. آدي الله وآدي حكمته. هل هو من دفع عبد الناصر لأن يقوم بتثبيت الإيجارات؟ يرفض «ص» تماما عروض وضغوط صاحب البيت الذي يحلم بالطبع أن يأتي اليوم ويترك له الشقة. أعلى ما في خيله يركبه. لكنه في حقيقة الأمر في غاية القلق. القوانين تتغير كل يوم وأصحاب البيوت يتفنون في أساليب إيذاء السكان وطرق هدم البيوت القديمة لبناء عمارات جديدة بدلا منها. ومكاسبهم خيالية. لن ينسى «ص» أبدا ذلك اليوم الذي صادف فيه شابا يقوم بتصوير البيت. لم يره الجيران أبدا بمثل هذا الغضب. لكنه معذور، هذا الشاب حتما يعمل لصالح صاحب البيت أو واحد من المقاولين الذين يعملون في المنطقة. خطة جديدة لن يسمح باكتمالها أبدا: انت بتصور ايه يا ابني انت؟!
(5)
أما السيد «أ» المدير بأحد فروع المحلات العريقة التي تم تأميمها في الستينيات، فهو يشبه  إلى حد كبير كل من الأستاذ «ب» ناظر المدرسة الشهيرة التي تأسست عام 1920، والدكتورة «ت» مديرة إحدى المستشفيات القديمة الرائعة التي تنتظر الترميم منذ سنوات بعيدة، وأيضا الأستاذ «ث» مدير الفرع المتهالك للبنك العريق. الأربعة موظفون أفنوا أعمارهم بين جدران هذه المباني، ولم يكن طريقهم لهذه المناصب مفروشا بالورود. أثناء النهار، يدور كل منهم في طرقات المبنى القديم ليوزع نظراته المتعالية المتجهمة على الجميع. وفي الليل، لكل منهم كابوس خاص به يظهر فيه وكيل الوزارة أو رئيس مجلس الإدارة في ليلة مظلمة ليكتشف خطأ ما لا يمكن تبريره أو إخفاوه، ليرى نفسه في النهاية مطرودا أو معاقبا. يرثي كل منهم حاله أن جاء نصيبه في هذا المبنى القديم بلا أي إمكانيات أو مخصصات مالية لبند الصيانة. أصبح هذا المبنى سفينة متهالكة يجب عليهم سد ثقوبها بأي وسيلة رخيصة حتى تمر الأيام ويحين وقت الترقية الجديدة في مكان أفضل (أحدث) أو يحين وقت التقاعد. كاميرا؟ هناك من يحاول أن يصور المبنى؟! صحافة؟ أحد شباب الفيسبوك؟ فضيحة؟ لا: ممنوع يا حضرت. بتصور ايه؟ يا أمن! هات الكاميرا دي. حد يبلغ البوليس.
(6)
«ج» جندي مجند شاءت الأقدار وشاء قادته أن يقف حراسة أمام الكنيسة التي عمرها من عمر جده الكبير الله يرحمه. أما «ح» فهو في حراسة المعبد اليهودي (استغفر الله العظيم) المغلق منذ سنوات عديدة. يحصي كل منهما الأيام التي تبقت لهم في هذه المهمة التي ما يعلم بها إلا ربنا. البلد تغلي فوق صفيح ساخن والعمليات الإرهابية هي عناوين جرائد كل يوم، والداخلية أغلقت الشارع الجانبي المؤدي للمعبد وتبني أسوارا أكبر أمام الكنيسة من الخرسانة بدلا من الأسوار الخشب الخائبة القديمة التي لن تحميه ولن تحمي هذه المباني القديمة التي يقف أمامها ليل نهار. يا رب اجعل العواقب سليمة. بصراحة الأمر لا يحتمل أيضا واحد أو واحدة يأتي بكاميرا بدعوى تصوير المبنى الجميل. عندك ألف مبنى جميل، رح صورهم: عندك! انت بتعمل ايه؟! أنا عندي أوامر بالضرب في المليان.
(7)
أما «خ» فهو أحد الباعة الذين يسمونهم "جائلين" في الصحافة. عندما زار المحافظ الجديد "المنطقة" الخاصة به خلف المحكمة القديمة لم يخف، بل رفع صوته مناديا ولم يتوقف إلا حين سُمح له بالحديث مع المحافظ ذات نفسه. وفي الدقائق القليلة التي سمحوا له بالحديث فيها ألهمه الله سبحانه وتعالى بأحسن الكلام. فأخبر المحافظ أنهم لا يسرقون ولا يتاجرون في الممنوع، وأنهم جميعا على باب الله ولا يأذون أحدا. وان كان الأمر متعلقا "بالشكل الجمالي" فلتبني المحافظة لهم أكشاكا جميلة. بعد بضعة أشهر جاء بعد هذا المحافظ الجديد محافظ أجدد. وترقب الجميع في "المنطقة" ماذا سيحدث هذه المرة. يذكر الجميع تفاصيل ما حدث في نفس الأسبوع عندما شاهد «خ» الشابين والكاميرا في يد أحدهما. راقبهما «خ» بهدوء لا ينبئ بأي ردة فعل، حتى جاءت اللحظة الحاسمة التي رفع فيها أحدهما الكاميرا والتقط صورة. تساءل «خ» في داخله: حكومة أم صحافة؟ من سيظهر في هذه الصورة؟ وماذا سيحدث له؟ وهل سننتظر حتى نعرف بعد فوات الأوان؟:  تعالالي هنا. هات البتاعة دي.. أهيه.. عشان تبقى تيجي تصور هنا تاني يا (...).
(8)
أما الحاج «ح» فهو رجل خَيّر أفضاله على الكثيرين، وبالأخص على مهندسي الحي. بنى الحاج «ح» ستة عمارات جديدة في وقت قياسي بفضل الله في هذا الحي المبارك بعد ثورة يناير. منهم اثنان فقط كان مكانهم فيلات قال له مهندسو الحي أن هدمهم محظور لأنهم مسجلون في «المجلد» (قائمة التراث). لكنهم وجدوا مخرجا من هذه المشكلة الحمد لله. ولأن الحاج «ح» لا يبالغ في التكسب كغيره أقسم ألا يزيد عدد الأدوار المخالفة في أي من عماراته عن خمسة أدوار فقط. فالطمع لا يفيد وأرواح الناس ليست لعبة. يجلس الحاج «ح» هذه الأيام في ركن هادئ في شارع مكتظ وحوله عدد من الصبيان والمساعدين. من هذه الزاوية يستطيع أن يتابع العمارة الجديدة أثناء مراحل تشطيبها الأخيرة، وفي نفس الوقت يستطيع أن يراقب بيت آخر قديم في الناحية الأخرى لم يبقى فيه من السكان سوى عائلة واحدة مازالت المفاوضات والمساومات قائمة معهم لإخراجهم منه قبل هدمه. مازال لديه بعض الوقت للتفاوض لأن البيت للأسف هو أيضا في «المجلد»، والجماعة في الحي لم ينتهوا بعد من التصرف. اليوم انقطع استمتاعه بجرعة "المعسل" الصباحية فجأة عندما أن رأى شابة تبدو بنت ناس تحمل كاميرا وتقف بالقرب منه لتصور العمارة الجديدة ثم تتطلع نحو البيت القديم. يبدوا أنه نهار أسود. لقد حذره الجماعة مهندسو الحي من مثل هؤلاء الشباب الذين يحومون حول المباني المخالفة والمباني الموجودة في «المجلد» وينشرون المخالفات والهدم على الإنترنت والناس كلها تعرف بالأمور. استعد الحاج «ح» لذك وجهز عددا من المساعدين المستعدين للفتك بأي شخص يقترب من أملاكه. لكنها فتاة هذه المرة وسيكون من العيب أن يقال أن الحاج تعارك مع بنت. لابد من حل آخر: هل تقوم «أم تامر» بالواجب وتفتعل معركة مع البنت وتجيبها من شعرها؟ أم يكتفي بالإشارة من بعيد للواد «تامر» نفسه ليتحرش بها وسط الشارع؟ لابد من قرار سريع: اندهلي الواد تامر بسرعة.

(9)
بعد عقود من تراكم الأخطاء وإساءة الإدارة أصبحت المدينة سوءة يخجل الناس منها. وأصبحت شوارعها بالإهمال والقمامة والفوضى ومخالفات البناء وهدم التاريخ مسارح متصلة لجرائم فردية وجمعية يومية يريد الجميع أن يتجاهلها لصعوبة مواجهتها وحلها. ولكن الكاميرا الملعونة قد تفضح كل ذلك. 


(10)
بعد نحو شهرين من الواقعة المذكورة في البداية مررت بنفس الشارع بحي «كامب شيزار» مرة أخرى وذكرى ما حدث معي لا تزال حاضرة في ذهني بقوة. اقتربت بهدوء باحثا عن المبنى المتهالك. لم أجده في مكانه؛ فقط قطعة أرض فارغة تتطاير منها الأتربة في صمت. لقد انتصر البلدوزر مرة أخرى. 

الأربعاء، 5 فبراير، 2014

سقوط الجدران الأخيرة

 حينما حاولت أن أكتب تعريفا للدور الذي أنشأت من أجله هذه المدونة لأكتبه تحت عنوان "عن هذه المدونة" ، لم أجد سوى هذه الكلمات:

«جدران مدينة متعبة» هي شهادة على وقت عصيب تمر به الإسكندرية.
"المدينة العريقة تحصد اليوم ثمار عقود طالت من الفساد والجهل وسوء الإدارة وإساءة التخطيط. بقدر المستطاع، تحاول «جدران مدينة متعبة» أن تقرأ معك بتأنٍ ما يحدث اليوم لمدينتك التي يزيد عمرها عن ألفي وثلاثمائة عام، حتى تتخذ أنت القرار: هل ستدافع عنها وعن تاريخها ومستقبلها أم ستتركها لجرافات الجهل والجشع؟"

الآن، في اللحظات التي أكتب فيها هذه الكلمات، تقوم فيها هذه الجرافات بهدم آخر جدران أحد أهم المباني التاريخية في الإسكندرية.. فيلا أجيون.

اهتمت المدونة بقضية الفيلا وتاريخها ورصدت أكثر من مرة محاولات هدمها، وكذلك في مبادرة «انقذوا الإسكندرية» تابعنا محاولات التعدي، ونظمنا وقفة احتجاجية أمامها كانت هي أكبر وأهم وقفاتنا. ونبهنا مؤخرا للأحكام القضائية التي صدرت بخصوصها.
لكنها الآن تهدم. بالقانون.

منذ مارس 2012 وهذه المدونة تبحث عن الإجابة: من سينتصر.. نحن أم جرافات الجهل والجشع؟

الإجابة الآن واضحة.