الخميس، 25 سبتمبر 2014

سنوات في المنار

إهداء إلى كل أصدقاء المنار الأعزاء.

برفق تضم قبضته كفي الصغيرة. لفترة لا أستطيع الآن أن أحددها، كان أبي يسير بي كل صباح، نعبر ميدان المنشية، ثم نسير في شارع «سعد زغلول». يحمل هو حقيبة المدرسة مرة، وأنا مرة. تصطف العمارات العريقة على جانبي الشارع المنحني، كلما تقدمنا للأمام يلوح بناءٌ جديد. ولأننا نسير في الصباح الباكر، لا تزال كل المحال مغلقة. ندلف إلى شارع «صفية زغلول»، فينقذني دفء قبضته من برودة نسائم الصباح. ثم نسير سويا في أزقة هادئة كنت أميزها من روائحها قبل أشكال مبانيها. دقائق قليلة ثم نقترب من المدرسة..

*
مدرستي. في الأصل كانت مدرستين على رقعة أرض واحدة أنشأتهما الجالية الاسكتلندية في الإسكندرية، إحداهما للبنات (مدرسة الفتيات الاسكتلنديات) والأخرى للبنين (مدرسة كنيسة سانت أندروز للبنين). يفصل بين المدرستين وملاعبهما سور.

رحلت الجالية الاسكتلندية ضمن من رحلوا بعد يوليو 1952، فأصبحت المدرستان مدرسة واحدة. وأصبح اسمها «المنار». وأصبحت «المنار» مدرستي.


مبنى المدرسة الرئيسي (1) هو مبنى «مدرسة البنات الاسكتلنديات» Scottish Girls' School، المبنى الوحيد الذي تبقى من المدرستين الأصليتين. ندلف إليه عبر بوابة المدرسة الرئيسية من شارع «أمين فكري» أحيانا، وأحيانا ندخل من البوابات الجديدة الأخرى. درست فيه في سنوات متفرقة في المرحلتين الابتدائية والإعدادية. عبر السنوات أضيف إلي المبنى الكثير، فتغيرت ملامحه، لكنه لا يزال بالنسبة لي الآن همزة الوصل بين الواقع وبين صورة المدرسة الخافتة في الذاكرة.


بداية عهدي بالمدرسة كانت في فصول الحضانة التي بنيت على أرض كان يشغلها ملعب كرة السلة بمدرسة البنات (2). هنا كانت تلك اللحظة الحاسمة التي يتركك فيها الأب والأم، لأول مرة، وحدك لتواجه العالم وتتعرف على الآخرين وتتعلم دون مساعدة منهما. هنا أول الأصدقاء، وأول الأعداء أيضا. هنا عربة بائع الدوم الجنوبي تقف أمام الباب في انتظار الزبائن الصغار. نشتري، ونأكل ثمرة الدوم القاسية بأسناننا اللبنية، ثم نلعب الكرة بقلب الثمرة الصَلب. في الخريطة علامة تجاورها كلمة "فسقية" عند مكان نافورة صغيرة من الرخام الأبيض لعبنا حولها (وفوقها) كثيرا. هي لاتزال هناك.

في المبنى القديم (3) كانت معظم سنوات "الابتدائي". في الأصل كان مبنى مدرسة البنين الاسكتلندية والتي كانت تحت إشراف الكنيسة الاسكتلندية «سانت أندروز» التي كانت تطل على ميدان المنشية. لم يعد هذا المبنى موجودا. حسنا، كيف أصف لك لوعة طفل ذهب إلى المدرسة فلم يجد المبنى الذي جمعه بأصحابه لسنوات؟ لقد هدموا المبنى في إجازة صيف بعد أن تهالكت درجات سلمه الخشبي تحت وطأة أقدام مئات التلاميذ يوميا. خافوا أن ينهار السلم بنا، فهدموا المبنى بأكمله! كان لأحد الفصول شرفة خشبية تطل على الفناء، ومع نهاية كل سنة كنت أحلم أن يكون هذا الفصل فصلي في العام القادم، ولم يحدث.

وليكون بديلا للمبنى المهدوم، بَنَت إدارة المدرسة مبنى آخر جديد في عجالة (4)، كنا أول من استخدم فصوله، ومنه أدركت الفارق الكبير بين أن تتعلم في مبنى مصمم بعناية، حتى ولو قديما متهالكا، وبين أن تتعلم في مبنى جديد لكنه سيء التصميم والتنفيذ لا يراعي عقلا أو روحا.

في ملعب كرة السلة (5) كانت حصة الألعاب الرسمية، ومباريات الكرة غير الرسمية. لماذا كانت أرضيته من الأسفلت؟ كم عدد البنطلونات التي تمزقت ركبتها على أرض هذا الملعب العجيب؟ اختفى هذا الملعب بعد أن تركْت المدرسة وتحولت مساحته إلى مبنى آخر أشد قبحا.

في الفناء الكبير (6) كانت طقوس الصباح اليومية: الطابور، الإذاعة المدرسة، وتحية العلم. هنا كانت وجوه الزميلات والزملاء المحببة في كل صباح لا تزال تنفض آخر آثار النوم، والزي المدرسي يجمع كبيرهم وصغيرهم. هنا كانت الفُسحة، وكانت الاحتفالات والمطاردات والاستغمايات والمشاجرات ومباريات كرة القدم. هنا "الكانتين" الذي يبتلع قروشنا القليلة رغم ما يقدمه من أصناف محدودة. هنا كانت الشجرة القديمة (7)، ومباريات تسلق أغصانها التي لا تتوقفهنا مرت السنوات سريعا، بحلوها ومرّها، لكنها في النهاية تركت ندى مشاعر الطفولة وخربشات مشاعر المراهقة في القلب.

*
مرت السنوات، وأصبحت أنا من أضم كف أختي الصغير بكفي يوميا في رحلتنا من وإلى المدرسة، وسنوات أخرى، واستقَل كل منا بعدها بنفسه وحقيبته.

في رحلة العودة، نسير سويا إلى «محطة الرمل» لنستقل منها الترام عصر كل يوم. تتسارع خطانا رغما عنا مع انحدار الشارع، فنضحك، وتتأرجح شرائط ضفائرها. نمر بجوار سينما «راديو» ثم سينما «فريال»، ومن بعيد أرى أفيشات سينما «ستراند» أيضا. ننتظر الترام الصفراء. سنستقلها محطة واحدة أو محطتين، وفقا لرقم الخط. على مرمى البصر يلوح تمثال «سعد زغلول» راسخا فوق قاعدته الشاهقة شاخصا نحو البحر.

انتظارنا اليومي تحت مظلات المحطة كان فرصة لابد من استثمارها. فرصة للثرثرة والضحك أنا وأختي، أو نحن مع الأصدقاء المنتظرين أيضا للترام الصفراء أو الزرقاء. أو فرصة لبعض حبات الفشار من البائع تحت المظلة الرئيسية. والأهم بالنسبة لي، كانت فرصة الاطلاع على أغلفة المجلات والكتب الجديدة، وتصفح صفحاتها إذا سمح البائع العجوز بذلك. غالبا ما كان الرجل يتركني أتصفح كما أشاء، فهو عليم بطبع زبونه الصغير، سيشتري حتما لو كانت لديه قروش قليلة متبقية بعد يومه الطويل في المدرسة.